محمد أبو زهرة

2217

زهرة التفاسير

السلام يصدق أصل نزولها ، وينفذ أحكامها إلا ما جاء نسخه في الإنجيل منها ، ولو سايرنا الواقع عند النصارى في هذه الأيام لكان لذكر كلمة التصديق في هذا المقام معنى أعمق من مجرد التصديق بأصل النزول ، بل بالتنفيذ ، لأن الإنجيل ليس فيه أحكام عملية كثيرة ، فأحكام الأسرة كلها مأخوذة عند النصارى من التوراة ، وليس ثمة نص قاطع في الأناجيل التي بين أيدينا يغاير ما جاء في التوراة من أحكام تتعلق بالأسرة ، ولا بأحكام العقوبات من حدود وقصاص ، ولقد رويت عبارات عندهم منسوبة للمسيح - عليه السلام - تدل على العمل بأحكام التوراة ، مثل قوله عليه السلام : « ما جئت لأنقض الناموس » وهو التوراة ، ولعل التعبير بآثارهم يدل من بعد أو قرب على معنى هذا التصديق العملي ، فضلا عن التصديق الاعتقادي والقولي . وكلمة « بَيْنَ يَدَيْهِ » تعبير قرآني ، للدلالة ، على أن التوراة كانت حاضرة قائمة وقت مجىء عيسى - عليه السلام - وعلمها عنده ، وهو علم خال من التحريف والتبديل ، أوحى الله تعالى به إليه ، ولفظ بين يديه في دلالته على الأمر المهيأ القائم من الاستعارات الرائعة ، ومضمونها أن الأمر معلوم علما يقينا لعيسى ابن مريم عليه السلام كعلم المحسوس يكون موضوعا بين يديه . ومن الفروق الدقيقة أن الله تعالى عبر عن مجىء عيسى بالإنجيل بقوله تعالت كلماته : وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ . وعندما أخبر عن مجىء محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن قال تعالت كلماته : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ . . . ( 48 ) [ المائدة ] . فهو ليس منفذا ، ولكن هو مسيطر وحاكم على ما سبق من كتب . وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ عقب السيد المسيح - عليه السلام - الأنبياء الذين نفذوا أحكام التوراة ، وطبقوها تطبيقا دقيقا من غير هوادة ، ولا ظلم ، ولا شطط مع الضعفاء ، ومحاباة للأقوياء ، وقد أعطاه الله تعالى قوة في رسالته ، فأعطاه كتابا هو الإنجيل ، وهو البشارة برحمة الله